تقرير بحث السيد الخميني للنگرودي
497
جواهر الأصول
إلّا إكرام أفراد قليلة ، يكون مستهجناً « 1 » ! ! هذا كلّه في ماهية النسخ ثبوتاً .
--> ( 1 ) - قلت : يعجبني - تتميماً للفائدة - الإشارة الإجمالية إلى دفع ما حكي عن اليهود والنصارى في استحالة النسخ ، وإثبات إمكانه ووقوعه ، وقد اقتبسناه ممّا أفاده بعض الأساطين - دام ظلّه - في محاضراته ، وحاصله : أنّ النسخ عبارة عن ارتفاع الحكم وانتهاء أمد الحكم المجعول في الشريعة ، ولا إشكال ولا كلام في إمكانه ووقوعه في الشريعة المقدّسة ، كما هو المعروف والمشهور بين المسلمين . وحكي عن اليهود والنصارى استحالة النسخ ، وتشبّثوا في ذلك بشبهة حاصلها : أنّ النسخ يستلزم أحد محذورين لا يمكن الالتزام بشيء منهما : إمّا عدم حكمة الناسخ ، أو جهله بها ، وكلاهما مستحيل في حقّه تعالى ؛ لأنّ جعل الأحكام وتشريعها منه تعالى ، لا بدّ وأن يكون على طبق الحِكَم والمصالح الكامنة في متعلّقاتها ؛ ضرورة أنّ جعل الحكم بلا مصلحة جزاف ينافي حكمته تعالى ، فلا يمكن صدوره منه تعالى ، فإذن رفع الحكم الثابت لموضوعه ، إمّا أن يكون مع بقاء الموضوع على ما هو عليه من المصلحة والمفسدة وعلم الناسخ بها ، أو يكون من جهة البداء وكشف الحال ، كما يقع ذلك غالباً في الأحكام والقوانين العرفية العالمية ، ولا ثالث لهما : وعلى الأوّل : يلزم أن يكون رفع الحكم جزافياً ، وهو منافٍ لحكمته المطلقة ، ويستحيل صدوره منه تعالى . وعلى الثاني : يلزم الجهل في حقّه تعالى ، وهو أيضاً محال . فظهر : أنّ وقوع النسخ في الشريعة - لاستلزامه المحال - محال في حقّه تعالى . ولكن يجاب عن الإشكال : بأنّ النسخ - كما أشرنا عبارة عن ارتفاع الحكم وانتهاء أمده ، فمن الممكن أن تكون المصلحة المقتضية لجعله ، منتهية إلى ذلك الزمان ، فلا مصلحة فيه بعد ذلك ، فعليه يكون الحكم المجعول على طبق المصلحة ثبوتاً ، مقيّداً بذلك الزمان الخاصّ المعلوم عند اللَّه تعالى المجهول عند الناس . وبالجملة : لا شبهة في دخالة الخصوصيات الزمانية والمكانية أو نفس الزمان - كأوقات الصلاة ، والصيام ، والحجّ ، وما شاكل ذلك - في ملاكات الأحكام ؛ وأنّها تختلف باختلاف تلك الخصوصيات ، فإذا صحّ ذلك كما هو أوضح من أن يخفى ، فلتكن دخيلة في استقرارها وعدمها ؛ ضرورة أنّه لا مانع من أن يكون الفعل ، مشتملًا على مصلحة في مدّة معيّنة ؛ وفي قطعة خاصّة من الزمان ، فلا يكون مشتملًا عليها بعد انتهاء تلك المدّة ، فعلى هذا يصحّ أن يقال - على عكس مقالهم - : إنّه على هذا لا يعقل جعل الشارع الحكم الكذائي على نحو الإطلاق ؛ لكونه جزافياً وبلا ملاك . فتحصّل : أنّ النسخ في الواقع ونفس الأمر ، انتهاء أمد الحكم بانتهاء المصلحة عند ذاك ، فهو في الحقيقة دفع وإن كان بحسب مقام الإثبات وإطلاق الدليل من حيث الزمان رفعاً ، ولا يلزم منه أيّ محذور من خلاف الحكمة أو كشف الخلاف المستحيلين في حقّه تعالى . هذا بناءً على مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها . وأمّا بناءً على مذهب من يرى تبعية الأحكام لمصالح في نفس الأمر والنهي ، فالأمر كذلك أيضاً ؛ فإنّ المصلحة الكامنة في نفس الحكم تارة : تقتضي جعل الحكم على نحو الإطلاق والدوام في الواقع ، وأخرى : جعله في زمان خاصّ ووقت مخصوص ، فلا محالة ينتهي بانتهاء ذلك الوقت . فتحصّل : أنّه لا ينبغي الشكّ في إمكان النسخ بل وقوعه في الشريعة المقدّسة على كلا المذهبين ، كمسألة القبلة ونحوها . [ المقرّر حفظه اللَّه ]